مغالطات تاريخية

الرئيسية|مغالطات تاريخية
مغالطات تاريخية2021-10-23T00:19:15+03:00

مغالطة حول تأسيس بريدة 

أسس آل أبو عليان بلدتهم بريدة من الصفر وحرصوا كل الحرص على حمايتها وتشميخها وعزها ونهضتها في كل المجالات، وحماية أهلها من كل متربص بها، فاستطاعوا بنجاح منقطع النظير ان يجعلوا منها عاصمة القصيم والعقيلات، وان تتفوق بزمن يسير على كل البلدات النجدية تجارياً وزراعياً وسكانياً وعمرانياً كذلك. ولكن البعض للأسف يشكك في هذه الروايات التاريخية المتواترة والمستفيضة عن نشأة مدينة بريدة مثل العبودي ويقول إن هذه الروايات غير صحيحة شكلاً ولا موضوعاً ويستغرب كيف تلقاها الناس بالقبول ويذكر حجج واهية سنرد عليها في هذا المقال، ثم جاء أيضاً بقول غريب وشاذ لم يذكره احداُ غيره بأن أسرته السالم الذي يتفرع منها انهم قد سبقوا آل أبو عليان في السكنى وان إمارتهم كانت أقوى إمارة في المنطقة. ولقد رجعت لترجمة العبودي لأسرة السالم الذي يزعم انهم وجورتهم موجودين قبل تأسيس بريدة، فلم أجد أي نص تاريخي أو وثيقة تتحدث عن جورة السالم المزعومة وأنها كانت موجودة قبل بريدة، وجميع الوثائق الذي أرفقها العبودي تذكر دور السالم وليس الجورة واقدمها بتاريخ ١٢٨١هـ أي بعد تأسيس مدينة بريدة ب٣ قرون، وقد رد دعوى المدعي بجورة السالم كتابيًا وشفهيًا عدد من المؤرخين والباحثين، ومن هؤلاء الشيخ سليمان الروّاف رحمه الله، حيث قال: ((جورة آل سالم لم تحدث إلا بعد إمارة حجيلان، وهي خارج السور فيما يبدو، مع أن القول بوجودها لا دليل عليه مطلقًا))، وقد تنبه لهذه الدعوى الغريبة أ.د. محمد الربدي في كتابه بريدة عندما أعل رواية العبودي بالشذوذ، وذكر ان العبودي قد انفرد لوحده برواية جورة السالم وخب فضل حيث قال: ((وإن كنت في الواقع لم أسمع عن جورة السالم وخب فضل من غير العبودي)). ومن الأوهام التي ذكرها العبودي من غير وثيقة او نص تاريخي صحيح قوله بأن أهل بريدة كانوا يدفعون زكاة أموالهم من التمر والحبوب إلى الشماس ثم صاروا يقاتلونهم، وكانوا يسمون بلدتهم الناشئة (بريزة) لكونها برزت للوجود ثم تغلبوا على إرادة أهل الشماس، وأسموا بلدتهم (بريدة) بمعنى أنها بردت لأهلها. والرد سيكون في نقاط على دعوى من يقول ان تاريخ بريدة دفنته رمال الصحراء وكيف يشتري الأمير راشد الدريبي من شيخ بدوي بئر والماء في بريدة إلى وقت قريب على بعد ٤ أمتار، وان هذال ابن مشعان لا يمكن ان يكون هو من باع البئر، وان بريدة ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان وانها ماء لبني ضبينة:

أولاً: يوجد لدينا تاريخ موثق وقطعي الدلالة ومتواتر عن نشأة مدينة بريدة ولا يلزمنا ولسنا بحاجة للتخمين الظني والتكهنات وإعمال العقل في هذه المسألة. 

ثانياً: لماذا دفنت رمال الصحراء تاريخ بريدة ولم تدفن بقية بلدان نجد السابقة لبريدة في التأسيس كثرمداء وبقية بلدان الوشم؟؟؟ والذي قدم منها آل أبوعليان وسبقتها بالتأسيس بقرون مديدة وذكرها الشاعر الجاهلي علقمة الفحل التميمي في قصيدته، وذكرها الشاعر جرير التميمي في شعره، وذكرها الحسن الأصفهاني في كتابه بلاد العرب في القرن الثاني الهجري وذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان المتوفى في القرن السادس الهجري، وذكرها أبو عبيد الله السكوني في القرن السابع الهجري حيث قال: ((ثرمداء من أرض اليمامة لبني تميم)).

ثالثاً: المقصود ليس البئر بذاته وان كانت بئر بريدة قبل ردمها عميقة جداً وماءها غزير وعذب وليست على بعد أربعة أمتار فقط ولكن يشمل البئر والموضع الذي حوله كي يملكه فيسكنه ويعمره ويؤسس إمارته فيه ويستوطن هو وعشيرته كما ذكر ذلك المؤرخ مقبل الذكير: (أمراء ‫بريدة آل أبي عليان، وهم الذين أسسوها، فإن جدهم راشد الدريبي اشترى موضعها من آل هذال أحد شيوخ عنزة، وكانت في ملكهم، ثم عمرها). 

رابعاً: آل هذال بن مشعان لا يمكن أن يكون هو الذي باع بئر وموضع بريدة على راشد الدريبي وهذا صحيح لكن آل هذال من عنزه متعاقبين على شيخة عنزة في ذلك المكان والوقت ومنهم الحبلان من العمارات، يذكر نسابوا كل من حرب وعنزة: أن بادية عنزة في القرن العاشر الهجري كانت تمتلك كل ضواحي المدينة، ثم تمتد ديارها على طريق القصيم إلى وادي الرمة حيث كانت عقلة الصقور ديار الصقور من عنزة حتى دارت حرب طاحنة بينهم وبين حرب وسميت وقعة المجللة التي أجلت على أثرها قبائل عنزة من هذه الديار.

خامساً: أقدم وثيقة تاريخية ذكرت بها مدينة بريدة هي وثيقة بخط الشيخ ابن عضيب يذكر بها جامع بني عليان في بريدة كما ذكر ذلك العبودي، وأقدم حادثة تاريخيةٍ في بريدة سجّلتها المصادر كانت سنة ١١٠٧هـ ( ابن بشر والفاخري وابن بسام، وتاريخ هذه الحادثة عند ابن عيسى سنة ١١٠٩هـ )، فلو كانت بريدة تعرف بهذا الأسم كمدينة قبل هجرة آل أبوعليان لها لذكرها المؤرخون او الرحالة في كتبهم ووثقت كغيرها من بلدان نجد ولذكروا إمارتها او امراؤها او معالمها او شيء ولو نتف يسيره من اخبارها او تاريخها. 

سادساً: يذكر البعض ان الشماس وغيرها كانت مأهولة بالسكان وحولها مقابر ونخيل وأبار ونرد ونقول ان هذه المناطق سواء سبقت او لم تسبق بريدة فهي خارج سور وحدود مدينة بريدة ولم تكن جزء منها، فالشماس كيان وبلدة منفصلة عن كيان وبلدة بريدة الناشئة والتي اتخذت اسم حديثاً لم يعرف كمكان أو قرية في تلك المنطقة أبداً قبل آل أبو عليان. فمن الخطأ ان يجعل تاريخ بلدة الشماس المندثرة والتي كانت تنازع مدينة بريدة على النفوذ في المنطقة والتي كان لها سور مختلف واسم مختلف وتحكمها قبيلة مختلفة أساس لبداية تاريخ مدينة بريدة التي أسسها آل أبو عليان من الصفر وتوارثوا إمارتها لثلاث قرون والتي كانت بئر ماء ترده البادية، فاشتراه الأمير راشد الدريبي وعشيرته ليكون اللبنة الأولى لعمران مدينة بريدة.

سابعاً: يعتمد ويستند بعض المؤرخين في العصر الحديث في كتبهم على تاريخ ابن بشر وابن عيسى في كل وقائع نجد والقصيم، فإذا جاء عند مسألة تأسيس آل أبوعليان لمدينة بريدة شكك بها، فالمنطق يقول إما ان تنكر كل الوقائع المذكورة في تاريخ ابن بشر وابن عيسى او تأخذها كلها من دون تشكيك مبني على الظن والوهم، واليقين لا يزول بالشك أبداً. 

ثامناً: عندما قدم راشد الدريبي إلى بريدة وسكنها كانت بئر ولا شيء حولها كما ذكر ذلك المؤرخون وتناقلها الرواة، فكيف تكون أرض بريدة مأهولة بالسكان ولم يذكر المؤرخون ان آل أبوعليان قد تنازعوا أرض أو بئر بريدة مع أحد من الناس. 

تاسعاً: لم تتخذ بريدة شكل القرية أو البلدة الصغيرة في ذلك الوقت والدليل أنه لا يوجد أي نص تاريخي او نتف اخبار عن أي أمير حكم بريدة قبل آل أبوعليان و لا يوجد أيضاً أي نص تاريخي أو وثيقة تاريخية من مبايعة أو وصية ميراث أو بيت من القصيد الفصيح أو النبطي حتى يذكر به بريدة قبل تأسيس آل أبوعليان لها في سنة ٩٨٥ هـ.

عاشراً: الجامع الأول والأسواق التاريخية والشوارع القديمة والأسوار الأولى للمدينة وقصر الحكم في بريدة كان بأسماء أمراء آل أبوعليان، فما مامعنى كل هذا؟ معناه أنهم هم المؤسسين وهم من وضع حجر الأساس لهذه البلدة.

الحادي عشر: آل أبوعليان أول من حكم بريدة والقصيم كافة وحكمهم لبريدة دام لثلاثة قرون هو أكبر دليل على صحة الروايات التاريخية المتواترة عن شراء وتملك راشد الدريبي بئر بريدة والموضع الذي حوله من آل هذال ثم سكنها وعمرها وتأمر عليها هو وعشيرته. 

الثاني عشر: عدم ذكر المؤرخين والبلدانيين القدماء لبلدة اسمها بريدة في كتبهم هو أكبر دليل على أن بريدة حديثة النشأة وصحة روايات المؤرخين كابن عيسى والذكير وغيرهم الكثير. 

الثالث عشر: سقوط اسم او اسمين بين راشد وحمود الدريبي لا علاقة له بصحة ما رواه المؤرخون بخصوص تاريخ نشأة بريدة. فقد ذكر المؤرخون كابن عيسى والذكير حدث مهم وهو تأسيس راشد الدريبي لبريدة عندما اشتهرت وبرزت ونمت وقويت إمارتها فيما بعد، والفترة المنقطعة تاريخياً والأسماء التي سقطت مابين راشد وحمود الدريبي وهي فترة قرن تقريباً هي فترة بناء وتأسيس لبلدة بريدة ولم تكن هناك أحداث مهمة ليذكرها المؤرخون، لكن بعدما قويت شوكتها في القصيم وتمظهرت كمدينة مؤثرة في المنطقة في عهد الأمير حجيلان، بدأت تدخل التاريخ السياسي واصبح لها مكانة بين بلدان نجد، بمعنى اخر بعد تأسيس ونمو وتوسع بريدة وزيادة عدد المهاجرين لها والذي اخذ قرابة القرن او أكثر، بدأ ظهور بريدة على الساحة وبدأت تدخل التاريخ السياسي وبدأت تعرف باسمها الجديد وبرزت وبدأ يتردد ذكرها عند المؤرخون بعدما كانت بئر ماء لابن هذال اشتراها الأمير راشد الدريبي ثم عمرها وسكنها وتأمر عليها ذريته من بعده.

الرابع عشر: وجود قبور ونخيل بالقرب من موضع بريدة وبئرها اذا صح هذا الإدعاء، فهو لا يعني وجود بلدة حديثة مأهولة بالسكان متكاملة البنيان وأسمها بريدة والتي لها أسوار مستقلة وجامع حديث مستقل وأسواق وشوراع حديثة وإمارة دخلت التاريخ السياسي.

الخامس عشر: جامع بني عليان الذي يعتبر أقدم وأول جامع في بريدة أكبر دليل على صحة الروايات التاريخية المتواترة عن نشأة بريدة وأنها كانت بئر ماء وموضع غير مأهول بالسكان قبل آل أبوعليان وإلا لأسس سكانها المسلمون بكل تأكيد جامع يقيمون فيه صلاتهم وجمعتهم.

السادس عشر: في آواخر عهد إمارة آل أبوعليان أصبحت مدينة بريدة أكبر الحواضر في إقليم نجد كافة كما ذكر ذلك الرحالة فيلبي، وماتشهده مدينة بريدة العاصمة الإدارية لمنطقة القصيم اليوم من ازدهار ونمو بالتجارة والزراعة وتوسع جغرافي وزيادة في عدد السكان وغيرها، هو ثمرة لتخطيط وجهود ورؤية المؤسسين الذين بدأوها من الصفر وخصوصاً عهد الأمير حجيلان بن حمد.

السابع عشر: ما يقوم به بعض المؤرخين المعاصرين للأسف من محاولة لدفن وطمس تاريخ آل أبوعليان كمن يحاول ان يخفي الشمس بيديه، وأهل بريدة معروف عنهم الوفاء ولكن بعض من يشكك في تاريخ بريدة لا يمثلهم جميعاً وهذا تنكر وجحود منهم لإصحاب الفضل عندما يطعنوا في الروايات التاريخية المستفيضة والمتواترة.

الثامن عشر: لقد كان القصيم قبل تاريخ هجرة آل أبوعليان العناقر من بني تميم وتأسيس العاصمة الإدارية بريدة في منتصف القرن التاسع الهجري منازل للبوادي تابعه لليمامة ( الأحوال السياسية في القصيم للسلمان) ولكن بعد هجرة آل أبوعليان أخذت مدن القصيم وقراه تنشأ وتنمو وبدأت تشتهر وتقوى شوكتها في نجد. 

التاسع عشر: نخوة آل أبوعليان هي أولاد علي وهو جدهم (عليان) تصغيراً ل (علي) وكانوا يتفاخرون به: (حنا ضنى ليلى سلايل عليان) ثم أصبحت فيما بعد نخوة وفخر لأهل القصيم كافة، فعلى ماذا يدل هذا الشيء؟ ألا يدل هذا أن آل أبوعليان أمراء القصيم سابقاً هم من قوى شوكة العاصمة بريدة ومن أسسها ورفع من مكانة المنطقة ودافع عنها وادخلها التاريخ.

العشرين: يدعي البعض ان بئر بريدة كان بئر ماء لبني ضبينة ولد جعدة بن غني بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان عبس وسعد أمهما ضبيعة بنت سعد بن غامد من الأزد، وكانت موجودة قبل الإسلام وورد ذكرها في معجم ياقوت الحموي ونرد عليه ونقول: 

١-  ينكر العارفون بمواقع نجد ان تكون بئر بني ضبينة هي نفس بئر بريدة التي كانت تحت ملك ابن هذال وباعها على الدريبي لإختلاف المواقع، فموقع ماء بني ضبينة الوارد في معجم ياقوت الحموي يقع في اقليم السر (ابن بليهد~صحيح الأخبار، والجاسر ~ المعجم الجغرافي).

٢-  لنسلم جدلاً ان موقع بئر بني ضبينة في القصيم، هناك فرق شاسع بين بئر ماء في صحراء ترده قبيلة وبين مدينة حديثة عامرة بالسكان، فذكر اسم بئر البريدة في معجم ياقوت، لا يعني وجود مدينة بأسوارها وأسواقها وجامعها وحكامها وتاريخها وشعراءها وفرسانها وبشر يعيشون. 

٣ –  لنفرض جدلاً أيضاً ان بريدة ماء لبني ضبينة وموقعها في القصيم، فهذه البئر بقيت مورد مائي فقط تتوارثها البادية ويردونها في الصيف ويرحلون عنها في الشتاء حتى وصلت لابن هذال ثم اشتراها الأمير راشد الدريبي آل أبوعليان منه ثم عمرها ثم سكنها فتأمر عليها هو وذريته ثم أصبحت مدينة دخلت في كتب التاريخ والجغرافيا بعدهم. 

٤-  ما هذه المدينة التي لا يعرف لها جامع او حكام او معارك او شعراء او فرسان أو علماء او مراسلات او أسواق او أسوار ولم يذكرها المؤرخون والجغرافيون في كتبهم او الشعراء في قصائدهم، ولا وجود لأي ذكر لها بأي وثيقة من مبايعة او دين او وصية او قصة او خبر او معركة ولا وجود لأي أثر لها.

الخلاصة:

لم يرد ذكر لمدينة تدعى بريدة في قصائد الشعراء او الوثائق او المعاجم العربية أو كتب التاريخ او البلدانيات القديمة التي تحدثت عن الجزيرة العربية قبل هجرة آل أبو عليان إلى القصيم، وأول نص تاريخي ذكر مدينة اسمها بريدة أرجع نشأتها إلى القرن العاشر الهجري، بعدما اشترى راشد الدريبي آل أبو عليان بئر الماء الذي أسس حوله المدينة مع بقية عشيرته. وأما لفظة بريدة وأنها مورد ماء لبني ضبينة والتي وردت في معجم البلدان عند ياقوت الحموي وبلاد العرب للأصفهاني والجبال والأمكنة والمياه للزمخشري بقيت على وظيفتها مورد ماء. وهناك فرق شاسع وبون كبير بين مورد ماء في فلاة اسمه بريدة وبين مدينة اسمها بريدة ظهرت على السطح بأسوارها ومساجدها وأسواقها وامراؤها وأهلها في القرن العاشر الهجري. وقد علق العلامة حمد الجاسر على لفظة بريدة التي وردت في المعاجم البلدانية القديمة وأنها مورد ماء لبني ضبينة في القديم: ((انه من الوهم ما جاء في بعض المؤلفات الحديثة من أن بريدة المدينة المعروفة هي في القديم هذا الماء إذا هي في غرب إقليم السر، بقرب جبلة وبريدة المدينة بعيدة عن منازل بنى غنى تقع في شمالها بمسافة تبلغ مئات الأميال)). آل أبوعليان هم المؤسسين وهم اللبنة الأولى في بناء الصرح الشامخ مدينة ‫بريدة العاصمة الإدارية للقصيم وهم أول من حكم القصيم و‫بريدة وامتد حكمهم لثلاثة قرون، وهم السبب الرئيسي في جعل ‫بريدة أهم مدينة في ‫القصيم ولتصبح عاصمة القصيم، ولقد قويت شوكة القصيم في زمنهم، فهم من رفع من مكانتها التجارية وادخلها التاريخ، فرسانهم واشعارهم وأسوارهم وحصونهم وجامعهم الكبير وأسواقهم ومعاركهم شاهداً على هذا كالشمس في وضح النهار.

مبالغات وتحامل بعض المؤرخين على آل أبو عليان 

للأسف عندما يتحدث بعض المؤرخين او الرواة عن تاريخ أسرة آل أبوعليان فإنه يذكر ويبرز بشكل بشع جانب واحد هامشي من تاريخهم وهو التنازع على الإمارة فقط ويتحامل عليهم بكلام قاسي ومبالغ فيه، ويغفل العين عن مآثرهم ومحاسنهم ويتجاهل دورهم التاريخي البارز في تأسيس ونهضة مدينة بريدة التي كانت سبباً في إحياء منطقة القصيم كافة، وهذا الصنيع بميزان العدل لا يجوز فيجب أن تذكر محاسنهم ومآثرهم أيضاً، واخطائهم تغرق كما قيل في بحر حسناتهم. وتنازع آل أبوعليان لم يكن في كل الأحوال على إمارة القصيم ولكن بسبب الظروف السياسية المضطربة في نجد في ذلك الوقت تقريباً حيث كان الاختلاف كبير والانشقاق واسع في الجزيرة العربية حيث ان أهل نجد قبل دعوة الشيخ المجدد وقبل قيام الدولة السعودية الأولى وبعد سقوطها وقبل توحيد الدولة السعودية الثالثة على حالة يرثى لها من الشتات والتفرق والاقتتال حيث انقسم اهل الجزيرة وحكامهم بين مؤيد للدعوة الإصلاحية والإمام محمد بن سعود وبين مؤيد للأتراك واتباعهم، وما حادثة (سنة ذبحة المطاوعة) المشهورة والمعروفة عند أهل القصيم إلا مثال حي على واقع الحال السياسي في القصيم خاصة ونجد كافة.

فلم يكن التنازع بين الأمير راشد الدريبي والأمير عبد الله بن حسن على إمارة القصيم، ولكن بسبب انقسامهم في التوجه والموقف من الدولة السعودية الناشئة ومن دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب. وسبب التنازع الثاني هو عندما علم وتحقق الأمير حجيلان بن حمد في سنة ١١٩٦هـ (سنة ذبحة المطاوعة) بنية خيانة ابن عمه سليمان الحجيلاني بفتح بوابات بريدة لحاكم الأحساء سعدون بن عرير قتله ثم أخذ الثأر بعد ذلك ابنه رشيد بن سليمان الحجيلاني فقتل الأمير عبد الله بن حجيلان. من هذه القصتين نعلم انه لم يكن التنازع على الإمارة هو الدافع الرئيسي دائماً ولكن الاضطرابات والحوادث والحروب والثارات والانقسامات التي كانت تشهدها الجزيرة العربية في ذلك الزمان تسببت في الاختلاف والتنازع بين أسرة آل أبوعليان. والقارئ للتاريخ النجدي سيجد ان الاقتتال والتنازع بين المدن والأسر النجدية وفيما بينهم البين واضحاً جلياً. 

وقد رد المؤرخ الكبير الدكتور أحمد بن يوسف الدعيج رد جميلاً على مبالغات وتجاوزات بعض المؤرخين في وصفهم لبعض الأحداث التي حدثت خلال إمارة آل أبو عليان يجدر بنا إيراده حيث يقول: ((تكلم المؤرخ الكبير عثمان ابن بشر في تاريخه وبعد كلامه عن معركة اليتيمة تحدث عن أسرة آل أبو عليان الكبيرة بطريقة غاية في القسوة والتحامل وفي كلام لا معنى له٬ فآل أبوعليّان أسرة عريقة بل هي عشيرة كبيرة تفرع منها الكثير من الأسر الكريمة وراشد الدريبي الذي أسس بريدة هو من آل أبوعليّان٬ ولم يكن القتل والفتن بين العوائل في عشيرة آل أبو عليّان فقط بل ابتلي بها الكثير من الأسر والحمائل في نجد في ذلك الوقت)).

التنازع والاقتتال على السلطة بين المسلمين وغيرهم منذ القدم والمتتبع للتاريخ الإسلامي منذ عهد الصحابة إلى اليوم والحروب العالمية والممالك وكيفية قيام الدول وكيفية سقوطها منذ فجر التاريخ سيرى ان التنازع في ذرية بني آدم والاقتتال فيما بينهم البين والتدافع على الإمارة سبباً ظاهراً معلوماً وموجود دائماً ولم تخلو منه أسرة من الأسر الحاكمة.

وكما هو معلوم أيضاً ان فترة حكم آل أبو عليان كانت قبل قيام الدولة السعودية الأولى واستمرت حتى آواخر سقوط الدولة السعودية الثانية. فكانت فترة قلاقل وفتن، فلذلك كان تقاتل أهل القرى في نجد بذلك الوقت أيضاً كان معلوماً ومدوناً ويملئ كتب تاريخ نجد فيما بينهم البين ومع جيرانهم. وسأضرب بعض الأمثلة فقط لذلك الزمن:

١- التنازع الذي حصل بين فرع آل علي وفرع آل رشيد من قبيلة شمر معلوم وقيام بندر بن طلال الرشيد بقتل عمه متعب بن رشيد من أجل حكم حائل، ثم قتل محمد بن عبدالله الرشيد بندر بن طلال الرشيد ولم يكتفي بذلك بل قتل جميع أبناء طلال العبدالله الرشيد، وخطط سلطان الحمود العبيد الرشيد لاغتيال حاكم حائل متعب العبدالعزيز وإخوته الثلاثة، ثم تولى الأمير عبد الله المتعب العبد العزيز الرشيد الحكم في حائل بعد اغتيال الأمير سعود العبدالعزيز الرشيد. 

٢- تقاتل وتنازع أهل عنيزة فيما بينهم على الإمارة وأغلب أمراؤها إما مقتول أو معزول أو مخرج منها أو متنازل عن الحكم فمثلاً: فوزان بن حميدان بن حسن بن معمر السبيعي قتله آل جناح من بني خالد بقيادة دويس بن صعب، دويس بن صعب بن شايع الخالدي أخرجه حميدان بن معمر السبيعي، وحميدان بن فوزان بن حميدان بن حسن بن معمر السبيعي أخرجه المشاعيب بزعامة حسن بن مشعاب السبيعي، وحسن بن مشعاب السبيعي قتله آل جناح الذين أخرجهم رشيد بن محمد السبيعي، ورشيد بن محمد السبيعي قتله سعود بن مشعاب السبيعي، وسعود بن مشعاب السبيعي قتله دخيل وعبدالله أبناء رشيد بن محمد السبيعي، وعبد الله بن رشيد بن محمد السبيعي قتل في عنيزة بوشاية من عبد الله الجمعي السبيعي، وعبد الله بن حمد بن جمعي السبيعي قتله يحيى بن سليمان الزامل السبيعي، وحمد بن عبد الله بن يحيى بن صالح السبيعي قتله آل سليم السبيعي سنة السطوة.

٣- تنازع حكام الأحساء بنو خالد مشهور أيضاً، فآل حميد تقاتلوا على الإمارة بعد موت سعدون؛ إذ تنازع دجين بن سعدون، وأعمامه: علي، وسليمان وغرير، وأولاد محمد بن غرير، واستولى على الأمر علي ومن بعده أخوه سليمان. ثم إن المهاشير من بني خالد غدورا بسليمان بن محمد بن غرير وأخرجوه. فقدم الخرج ومات فيها سنة ست وستين ومائة وألف. ثم استولى غرير (عريعر) على السلطة، وهو ابن دجين بن سعدون بن محمد بن غرير وذلك بعد أن قتل عم أبيه غرير بن محمد. 

٤- التنازع بين الأشراف في الحجاز من القرن السادس هجري كذلك حيث قتل حسن بن قتادة والده قتادة في شهر جمادى الآخرة، من سنة ٦١٧ هـ بمكة، وكان عمره حين مقتله نحو ٩٠ سنة. وقتل عبيد الشريف يحيى بن سرور الشريف شنبر طعناً بالخناجر في داخل الحرم والتي كانت السبب في نهاية عهد الشريف يحيى بن سرور كأمير مكة. 

٥- التقاتل بين القبائل في البادية كثير ومعلوم في كل أجزاء الجزيرة العربية في ذلك الوقت والسبب الرئيسي الذي أدى إلى سقوط الدولة السعودية الثانية هو التنازع داخل الأسرة على الحكم. وغيرهم من الإمارات والممالك في داخل الجزيرة العربية وخارجها. 

استغرب حقيقةً لماذا لم ينكر بعض الرحالة مثلاً ويعمل عقله في نفي الروايات التي تتحدث عن الاقتتال التي حصلت في الجامع بين أمراء آل أبوعليان والتي ذكرها ابن بشر وتقبلها على أنها حقائق ثابتة ولكنه في نفس الوقت أنكر الروايات المستفيضة بخصوص تأسيس أسرة آل أبوعليان لمدينة بريدة. يتفرع اليوم من أسرة آل أبوعليان عشرات الأسر ولاتكاد تسمع بأي قصة قتل فيما بينهم أبداً في عهد الدولة السعودية الثالثة ولكن ظروف العصر في ذلك الوقت وكثرة الإضطرابات والفتن والشقاق والنزاع السياسي والجهل الذي كان يعم المنطقة كان سبباً في التقاتل والتناحر في غالبية أجزاء الجزيرة العربية كما ضربنا الأمثلة السابقة وليس بين حكام آل أبوعليان فقط. وإذا كان جل وقت آل أبو عليَّان التنازع: 

١- كيف نجحوا في تشميخ بريدة وجعلها عاصمة الواحات في الجزيرة العربية والمدينة الرئيسية في نجد في التجارة والعمران وعدد السكان؟ 

٢- كيف استطاعوا ان يسبقوا جميع المدن والأقاليم المجاورة لبريدة والسابقة لها في التأسيس لقرون في زمن قصير؟

٣- كيف نجحوا في إعادة إحياء القصيم بعدما كان خارج التاريخ والجغرافيا حيث كان موارد مياه للبوادي لقرون؟ ثم كيف نجحوا في استقطاب المهاجرين إليهم وزيادة عمرانه؟

٤- كيف استطاعوا ان يتسيدوا على القصيم وان يكونوا لاعباً رئيسياً في التاريخ والأحداث السياسية في الدولة السعودية الأولى والثانية؟

كتبه د. عبدالرحمن عبدالله الحسون آل أبو عليان