تعد أسرة آل أبو عليان، المعروفة بأولاد علي، واحدة من أبرز الأسر النجدية والتاريخية في إقليم القصيم، إذ ارتبط اسمها بنشأة مدينة بريدة وتطورها، وبقيام إمارة محلية حكمت بريدة والقصيم قرابة ثلاثة قرون متواصلة. وينتمي آل أبو عليان إلى العناقر من بني سعد من بني تميم، وقد خرجوا من بلدة ثرمداء في الوشم خلال القرن العاشر الهجري بقيادة الأمير راشد الدريبي، باحثين عن موطن يؤسسون فيه كيانًا سياسيًا واقتصاديًا مستقلاً.

وقد أجمعت المصادر التاريخية على أن تأسيس بريدة الحديثة يعود إلى جهود آل أبو عليان في حدود سنة 985هـ تقريبًا حيث كانت بريدة في ذلك الوقت مجرد مورد ماء يرتادها البدو الرحل موسميًا، فاشتراها الأمير راشد الدريبي منهم، ثم شرع مع أبناء عشيرته في تعميرها وبناء مساكنها وأسوارها، لتتحول تدريجيًا إلى بلدة مزدهرة أصبحت فيما بعد عاصمة القصيم وأكبر مدنه.

ومع نمو بريدة واتساع نفوذها، أصبحت مركزًا سياسيًا وتجاريًا وزراعياً وعلمياً مهمًا في نجد، وامتد سلطان أمرائها إلى معظم القصيم. وخلال فترة حكمهم شهدت المنطقة ازدهارًا كبيرًا في شتى المجالات، فانتعشت الزراعة والتجارة والصناعة والحركة العلمية، وازداد عدد السكان، وأصبحت بريدة محطة رئيسة للقوافل التجارية والعقيلات الذين وصل نشاطهم إلى العراق والشام ومصر وغيرها من الأقطار العربية.

وقد تعاقب على إمارة بريدة والقصيم عدد من الأمراء البارزين من آل أبو عليان، كان في مقدمتهم الأمير راشد الدريبي، الذي وضع اللبنة الأولى للمدينة والإمارة. وكانت بريدة أول بلدة من بلدان القصيم تعلن ولاءها لقادة الدرعية سنة 1182هـ وذلك ان الأمير حمود الدريبي آل ابو عليان أول من بايع الدولة السعودية الناشئة من بين كل مدن وقرى القصيم المستقرة في ذلك العصر أرسل إلى الإمام عبدالعزيز في الدرعية ان يبعث الجيوش إلى ناحيتهم ويكون عوناً وناصراً لهم، في موقف مبكر يدل على وعي سياسي، وعلى إدراك لموقع القصيم في مشروع الدولة الناشئة.

وقد برز اسم الأمير عبدالله بن حسن البوعليان الذي عرف بدوره السياسي المناضل والعسكري لرفعة راية الدولة السعودية الأولى حتى استشهد في أحد معاركها رحمه الله في أواخر القرن 12 الهجري، وكما برز الأمير محمد بن عبدالله بن حسن آل أبو عليان  الذي قاد جيش القصيم في حملات الدولة السعودية إلى دومة الجندل سنة 1208هـ. وكما برز أبناءه وأحفاده من بعده عبدالله وعبدالمحسن الذين كانوا من أبرز فرسان الأسرة وزعمائها. وبرز كذلك اسم الأمير عبدالعزيز بن محمد بن عبدالله بن حسن آل عليان، الذي كان من قادة الجيش والمستشارين، ووقف مع الإمام تركي بن عبدالله ثم الإمام فيصل بن تركي، وشارك في وقائع مهمة، منها معركة السبية، ومسير القطيف، وموقف البيعة للإمام فيصل بعد مقتل الإمام تركي. وهذه المواقف تؤكد أن علاقة آل أبي عليان بالدولة السعودية لم تكن علاقة ظرفية، بل امتداد تاريخي من النصرة والولاء والمشاركة السياسية والعسكرية.

وأما أشهر أمراء آل أبو عليان على الإطلاق فهو الأمير حجيلان بن حمد آل عليان، الذي يعد من أعظم حكام بريدة في تاريخها. وقد حكم خلال الفترة الممتدة تقريبًا من 1194هـ إلى 1234هـ، وشهدت بريدة في عهده نهضة عمرانية وتجارية واسعة، كما تعززت مكانتها السياسية في نجد، وأصبحت من أهم الحواضر النجدية في عصره. وقد خُصصت لدراسة عهده رسائل علمية وبحوث أكاديمية تناولت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في بريدة خلال فترة حكمه. وكذلك برز الأمير الكريم الشاعر الأمير محمد العلي العرفج رحمه الله رحمة واسعة وكما برز ابنة عمه ووزوجة الأمير حجيلان العرفجية الشهيرة وقصة بطولتها وغيرهم من أمراء آل ابوعليان الكرام رحمهم الله تعالى.

ولأن آل أبا عليان اختاروا الولاء للدولة السعودية، فقد دفعوا ثمن هذا الموقف حصاراً وحروباً وحملات. تعرضت بريدة لحملات متتابعة من حكام الأحساء والمنتفق ثم الحملات العثمانية، وكان حصار سعدون بن عريعر، وحملة ثويني، ثم طوسون باشا، ثم إبراهيم باشا، شواهد على أن بريدة لم تكن بلدة هامشية، بل مركزاً سياسياً وعسكرياً مؤثراً لا يمكن تجاوزه. وقد صمدت أسوارها وقلاعها، وبقيت ذاكرتها شاهدة على رجال قاتلوا ودافعوا وثبتوا. ومن أوجع تلك الصفحات ما جرى في حملة إبراهيم باشا سنة 1233هـ، حين تعرضت بريدة لقصف مدفعي عنيف، ودكت بعض حصونها، ومن بينها ما ارتبط بذاكرة السادة ومقصورتها. وفي هذه الذاكرة الحية يرد ذكر علي الحسون آل ابو عليان وبعض أبنائه ممن قتلوا في تلك الأحداث، وهي رواية بقيت محفوظة في صدور كبار الأسرة، متصلة بمكان لا يزال اسمه حاضراً في الذاكرة: مقصورة السادة، ذلك الموضع الذي يجمع بين التاريخ والولاءومن الصفحات المؤلمة كذلك ما جرى بعدها في سنة 1236هـ عندما قدم حسين بيك ومن من معه عساكر الترك إلى بريدة وقتلهم للأمير عبد الله بن محمد بن عبدالله بن حسن آل أبو عليان ومحمد بن غانم آل أبو عليان رحمهم الله تعالى.

لم يقتصر دور آل أبو عليان على الجانب السياسي فحسب، بل أسهموا في بناء البنية العمرانية لبريدة، فأنشؤوا الأسوار والحصون والأسواق، وأقاموا الجامع الكبير، وساهموا في تنظيم الحركة التجارية وحماية القوافل. كما ارتبطت أسماؤهم بعدد من المعالم التاريخية التي شكّلت هوية المدينة لقرون طويلة. واستمر حكم آل أبو عليان للقصيم وبريدة حتى عام 1287هـ تقريبًا، وهي مدة تقترب من ثلاثة قرون، تركوا خلالها إرثًا سياسيًا وعمرانيًا واقتصاديًا كبيرًا. وقد بقي اسمهم حاضرًا في تاريخ القصيم بوصفهم مؤسسي بريدة الحديثة وأمراءها الأوائل، وأحد أهم البيوتات السياسية التي لعبت دورًا محوريًا في تاريخ وسط الجزيرة العربية. لقد شكل آل أبو عليان نموذجًا للأسر النجدية التي استطاعت أن تنتقل من جماعة مهاجرة صغيرة إلى قوة سياسية وتجارية واجتماعية مؤثرة، وأن تؤسس مدينة أصبحت لاحقًا عاصمة منطقة القصيم وأكبر مدنها. ولذلك فإن دراسة تاريخهم ليست دراسة لأسرة فحسب، بل هي دراسة لمرحلة كاملة من تاريخ بريدة والقصيم ونجد عامة.

كما برزت أسرة المذهان وأسرة الشاعر الفارس علي الحميدة وغيرهم من آل ابو عليان خلال توحيد المملكة العربية السعودية في عهد المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه تعالى ومناصرتهم ومساندتهم له وإلى اليوم وإلى قيام الساعة ستبقى هذه الأسرة مناصرة وموالية ومساندةً للدولة السعودية

ومع هذا كله، فإن من الظلم اختزال تاريخ آل عليان في صراعات الإمارة وحدها، كما يفعل بعض الرواة حين يأخذون طرفاً من التاريخ ويتركون سائر أطرافه. فهذه الأسرة لم تكن مجرد بيت حكم تنازع على السلطة، بل كانت بيت تأسيس وعمارة، وبيت حماية وولاء، وبيت تجارة وتنمية، وبيت استقبال للمهاجرين، وبيتاً تشكلت في عهده ملامح القصيم الكبرى. والإنصاف يقتضي أن تذكر الأخطاء في سياقها، وأن تذكر معها المآثر، فالتاريخ لا يكتبه ميزان الخصومة، بل ميزان العدل. لقد كان آل أبو عليان حجر الأساس في نشأة بريدة، وكانت بريدة حجر الأساس في تشكل مركزية القصيم، وكان حجيلان واحداً من أعظم رموز هذه المرحلة؛ به رسخت الهيبة، واتسع العمران، واشتد الأمن، وازدهرت التجارة، وارتبطت بريدة باسم القصيم حتى صارت أم القصيم وقلبه النابض. ومن هنا فإن الحديث عن آل أبي عليان ليس حديثاً عن أسرة فقط، بل عن نشأة مدينة، وتكون إقليم، وبناء ذاكرة، وامتداد أثر لا يزال حاضراً في الوجدان النجدي إلى اليوم.

 

كتبه: د. عبدالرحمن بن عبدالله بن ابراهيم بن محمد بن حسن الحسون آل أبو عليان العنقري السعدي التميمي (بريدة والسادة)