العناقر

الرئيسية|العناقر
العناقر2021-10-23T00:08:24+03:00

تعتبر عشيرة العناقر في ثرمداء واحدة من أبرز عشائر قبيلة بني تميم وتعد إمارتهم في السابق واحدة من أقوى الإمارات في نجد. ولاتزال شواهدهم باقية إلى اليوم، ومن يزور بلدة ثرمداء اليوم سيجد قصر العناقر الأثري شاهد على تاريخهم وسؤددهم السابق. ومن المعروف أن بلاد الوشم من منازل قبيلة بني تميم المشهورة منذ القدم، بل ان البلداني والجغرافي الشهير المعروف بالحسن الاصفهاني صاحب كتاب بلاد العرب والمتوفى في سنة ٣١٠ هـ يرى ان الوشم عُظم بلاد قبيلة بني تميم. وقد ذكر الشيخ محمد بن بليهد في كتابه صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار : ((بني تميم هم سكان الوشم في العهد القديم))، وقال ابن بليهد كذلك في كتابه ماتقارب سماعه وتباينت أمكنته وبقاعه: ((جميع الوشم لبني تميم)). فثرمداء تعتبر أم الوشم وهي بلدة قديمة ذكرها العديد من الشعراء منهم الشاعر الجاهلي علقمة بن عبدة بن النعمان التميمي المشهور بعلقمة الفحل وهو من سادات بني تميم ومن شعرائها المشهورين في نجد بقوله:

وَما أَنتَ أَم ما ذِكرُها رَبَعِيَّةً                يُخَطُّ لَها مِن ثَرمَداءَ قَليبُ

فَإِن تَسأَلوني بِالنِساءِ فَإِنَّني            بَصيرٌ بِأَدواءِ النِساءِ طَبيبُ

إِذا شابَ رَأسُ المَرءِ أَو قَلَّ مالُهُ        فَلَيسَ لَهُ مِن وُدِّهِنَّ نَصيبُ

يُرِدنَ ثَراءَ المالِ حَيثُ عَلِمنَهُ             وَشَرخُ الشَبابِ عِندَهُنَّ عَجيبُ

ومن الشعراء الفحول الذين ذكروا ثرمداء الشاعر جرير التميمي في ابيات له:

اِنظُر خَليلي بِأَعلى ثَرمَداءِ ضُحىً                وَالعيسُ جائِلَةٌ أَغراضُها خُنُفُ

اِستَقبَلَ الحَيُّ بَطنَ السِرِّ أَم عَسَفوا           فَالقَلبُ فيهُم رَهينٌ أَينَ ما اِنصَرَفوا

مِن نَحوِ كابَةَ تَحتَثُّ الحُداةُ بِهِم                   كَي يَشعُفوا آلِفاً صَبّاً فَقَد شَعَفوا

إِنَّ الزِيارَةَ لا تُرجى وَدونَهُمُ                       جَهمُ المُحيّا وَفي أَشبالِهِ غَضَفُ

وكذلك يقول الشاعر جرير التميمي أيضاً في بيت آخر له:

عفت قرقرى والوشم حتى تنكرت      أواريها والخيل ميل الدعائم

وأقفر وادي ثرمداء وربما                    تدانى بذي بهدى حلول الأصارم

وقد تحدث العديد من العلماء والأدباء عن مدينة ثرمداء وعشيرة العناقر بكلام يجدر بنا إيراده في هذا المقال. تحدث الأديب عبد الله بن محمد بن خميس رحمه الله في كتابه المجاز بين اليمامة والحجاز عن ثرمداء ورؤساءها العناقر وقال: (ثرمداء بلدة تميمية وأرجح الأقوال انها لبني سعد وهي بلاد بني سعد حتى الآن فإن سكانها العناقر الآن وقبل الآن وهم من بني سعد من تميم وقد كان لهم بها صيت ونفوذ على من حولهم، بل ان في أوائل القرن الثاني عشر كان الوشم كله مستضعفاً أمام قوة ونفوذ ثرمداء وأمرائها العناقر). وتحدث كذلك العلامة الشهير حمد الجاسر رحمه الله عن عشيرة العناقر وقال: ((العناقر وواحدهم عنقري من بني سعد بن زيد مناة بن تميم٬ في ثرمدا والوشم والقصيم منهم الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري٬ ومن الاسر التي تعد من العناقر: آل معمر٬ آل غنام٬ وآل أبي عليان٬ والدرابا٬ والشبالا٬ والسنادا٬ ومنهم آل سلوم وآل نويصر والبوحسن وآل عدنان وآل عبداللطيف بن عيسى وغيرهم)). وتحدث الشيخ عبدالله البسام عن عشيرة العناقر وهو يترجم للشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري فقال ((وبلدة ثرمداء احدى بلدان الوشم وهي لبني سعد الذين منهم العناقر من قديم الزمان، وآل عناقر عشيرة كبيرة من بني سعد بن زيد مناة أحد البطون الكبار في قبيلة بني تميم الشهيرة، ومن ثرمدا تفرق العناقر في بلدان نجد، ومن اشهر بطونهم آل معمر أمراء العيينة، وآل شبيلي سكان مدينة عنيزة، و آل أبوعليان رؤساء مدينة بريدة في القصيم ولاتزال بقايهم في نجد، وأصحاب المحلات التجارية في العراق والكويت والهند المعروفون بآل ابراهيم)).

فالذي يبدو ان عشيرة العناقر قد كبرت وتعددت فروعها فبدأ البعض منهم بالهجرة من ثرمداء في الوشم إلى مناطق أخرى في نجد ثم تأسيس مستوطنات خاصة بها مثل عشيرة آل أبوعليان مؤسسي مدينة بريدة (عاصمة القصيم) وأمراؤها لثلاث قرون وأول من تأمر على القصيم وآل معمر أمراء العيينة وآل غنام أمراء جنوبية سدير وآل جارالله أمراء مرات وآل إبراهيم في الكويت (ملوك اللؤلؤ ) وهم من أبرز عوائل الكويت العريقة، وتعرف كذلك بأسرة (الابراهيم الدورة ) نسبة إلى أملاكهم وقصورهم في البصرة العثمانية، ولهذه الأسرة الكريمة دور ملموس في تاريخ الكويت ونهوضها حيث كانت من أوائل الاسرة مع آل صباح في بناء الكويت.

سطرت عشيرة العناقر تاريخاً حافلاً ومليئاً بالبطولات من قبل وبعد قيام الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة، وكان فرسانهم من كبار القادة في معارك توحيد الجزيرة العربية من أمثال الأمير عبدالله بن حسن آل أبوعليّان والأمير حجيلان بن حمد آل أبوعليّان والأمير خرفاش بن معمر والأمير عبيكة بن جار الله والأمير عبدالعزيز بن محمد آل أبوعليّان والأمير الشاعر محمد العلي العرفج آل أبوعليّان والأمير فهد بن معمر والأمير عبدالرحمن بن نويصر العنقري وغيرهم من القادة والأمراء الأبطال والفرسان الشجعان الذين خلد التاريخ قصصهم من أمثال الأمير الشاعر والفارس بداح بن بشر العنقري الذي قال قصيدة سارت بها الركبان في قصة شهيرة له مع أحد بنات شيوخ البادية ومن قصته هذه جاء المثل الشهير في نجد (شيمة عنقري) الذي يدل على الاعتزاز بالنفس ورد الاعتبار وترك الشيء ولو كنت تحبه:

الله لحد يا ما غزينا وجينا                 ويا ما ركبنا حاميات المشاويحْ
ويا ما على أكوارهن اعتلينا            ويا ما ركبناهن عصير مراويح
ويا ما تعاطت بالهنادي يدينا            ويا ما تقاسمنا حلال المصاليح
وراك تزهد يا اريش العين فينا         تقول خيال الحـضـر زين تصفيح
ترى الظفر ماهو بس للظاعنينا       مقسم بين الوجيه المفاليح
البدو واللي بالقرى نازلينا               كلٍّ عطاه الله من هبة الريح
يوم الفضول بحلّتك شارعينا           والشلف باخوانك سواة الزنانيح
يوم انجمر رمحي خذيت السنينا     وادعيت عنك الخيل صمٍّ مدابيح
الصدق عندك كان ما تجحدينا         هيا عطينا الصدق ياهبّة الريح
هيا عطينا الصدق هيا عطينا          وان ما عطيتناه والله لاصيح
لاصيح صيحة من غدا له جنينا        والا خلوجٍ ضـيعوها الـسـراريح

والقارئ في الأدب الشعبي في الجزيرة العربية يلاحظ انه يحمل مكانة غير عادية لكل ما هو عُنقري حيث يقول الشاعر والفارس الشيخ رباح بن غليفيص في قصيدته:

‏مانشيل القفش والملح النظيف     إلا على خبث النفوس وطيبها

‏لاتحسبك عنقري والا شريف          ماترد الناس دون مصيبها

ومناسبة هذه الأبيات كما ذكر ذلك فائز الحربي في كتابه البدارين انه وقع خلاف بين البدارين و الذويبي شيخ بني عمرو في نجد بسبب مقتل رجل، فهدد الذويبي البدارين بالحرب ان لم يسلموا القاتل. فقال زايد بن مخلف هذه الأبيات مخاطباً الذويبي بعد تهديده لهم. ومعنى البيت أنك لست من الأشراف ولا من العناقر حتى ترد الناس عما يرون أنه من الصواب والمهم هنا أنه ساوى بين الأشراف والعناقر كناية لما لهم من الرفعة والسؤدد، ولا شك أن لهذا دلالته المهمة على مكانة العناقر في الجزيرة العربية، وكذلك قول الشاعر أبو بكر العنقري عندما أبت شيمته وأصر على تطليق زوجته حفاظاً على عزة نفسه وكلمته:

‏روحي مني لصقر عطية              عطية عنقري مالها من يعوقها

وكذلك من الدلالات التي تبين مكانة العناقر في الجزيرة العربية تكرر ذكر عبارة (عطية عنقرية) في الوثائق التاريخية للدلالة على تأكيد الهبة والعطاء، والتأكيد على عدم رجوع الواهب في هبته أو عطائه، ومن ذلك ما جاء في وثيقة عطاء شرعي مؤرّخة في شهر محرم سنة ١٢١٥هـ، وهذا نصها: ((الحمد لله وحده؛ هذا ما أعطى جميل بن سنيان أعطى أحمد بن عيد الحوض المسماة حوض التيار… إلى قوله: أعطاه جميل أحمد، عطية عنقرية، لا يرده غيض ولا رِضَى ولا فقر ولا غِنَى… شهدوا القبلاء على أنفسهم، شهد (علي بن صالح)، شهد محمد بن دخيل، شهد مبارك بن رشيدان، شهد مصلح العقيل…)). وكما جاء في وثيقة عطاء أخرى في قرية بشر بكسر الباء وسكون الشين في خيبر، مؤرّخة في ١٢٨١هـ ما نصه: ((الحمد لله وحده، لما كان تاريخه عام ألف ومايتين ووحدة وثمانين، هذا ما أعطى غريب بن فرج أعطى صالح بن حمد قطته بالسهم، أربعة حيضان، عطية عنقرية، لا يمنها غيظ ولا رِضَى ولا فقر ولا غِنَى…))، وكذلك جاء في وثيقة ثالثة مؤرّخة في عام ١٣٠٣هـ ما نصه ((الحمد لله، هذا ما أعطى أحمد بن مبارك الصحيفي أعطى عليان بن عفنان، أعطاه ذكر في حوض الصفيصفات، وصار ملك من أملاك عليان، وبعد ذلك جزا أحمد خمسة ريالات، والعطاء، عطية عنقرية، لا يمنها غيض ولا رِضَى ولا فقر ولا غنى…)).

برز من العناقر عدد من الشعراء الكبار في عصرنا الحديث ومن أشهرهم على الإطلاق لويحان العنقري الذي يُعد من الشعراء الأفذاذ الذين تميز شعرهم بالحكمة البليغة المؤثرة في النفوس، وجمال الكلمة، وحلاوة المعنى، مما جعل الناس تحفظ قصائده ويرددونها في كل زمان ومكان. ومن قصائد لويحان الرائعة في الحكمة والتي اشتهرت في عموم الجزيرة العربية:

الشور ما ينفع قلوب المهابيل                         كالزند وان حرك تطاير شراره

لو تأمره بالعدل يعرض على الميل                  يبتل على رايه بربح وخساره

والطبع ما ينزال غيره بتبديل                           مثل الجدي مرساه ليله نهاره

والحنظله لوهي على شاطي النيل               زادت مرارتها القديمه مرارة

وهو الذي أبدع الوزن اللويحاني وهو أيضاً من أشهر شعراء المحاورة في وقته وله مساجلات ومحاورات عديدة مع الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله ومع شعراء عصره كسليمان بن شريم، وأحمد الأزوري، ومحمد بن حصيص، وأحمد الناصر، وصقر النصافي، وغيرهم الكثير.

يعتبر قصر العناقر في ثرمداء صرحاً شامخاً وعنواناً بارزاً لتاريخ العناقر العريق وكما يعتبر واحد من أشهر المعالم الأثرية في نجد. فهو قصر كبير بداخلة عدد من المساكن كلها للعناقر، وكان بيت الإمارة بداخله إلى عام ١٣٩٣هـ، وقد بناه الأمير إبراهيم بن سليمان العنقري عام ١١٣٦هـ، الذي اشتهر واشتهرت ثرمداء في عهده. وتبلغ مساحته الإجمالية ١٨٠٠ متر مربع، وقد تبنى صاحب السمو الملكي أمير منطقة عسير تركي بن طلال بن عبد العزيز آل سعود مشروع ترميم القصر الأثري وتحويله إلى متحف وفاءً لوالدته الأميرة موضي بنت محيسن العنقري ولبلدة أخواله العناقر. ويقع القصر داخل بلدة ثرمداء القديمة وداخل السور القديم المسمى العقدة، ويحتوي القصر في جنباته عدة بيوت من بينها بيت الشيخ محيسن العنقري، ويحيط بالقصر خندق عميق من ثلاث جهات هي: الجهة الشمالية والجهة الشرقية والجهة الجنوبية. ويحيط به سور حجري غاية في الدقة والنظام، وتبلغ مساحة الخندق ١٠٢٥متراً، ويضم بين جنباته المزارع والآبار والمساجد والأسواق والبيوت.

كتبه د. عبدالرحمن عبدالله الحسون آل أبو عليان